جسد الثقافة



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > مكتبة الجسد

مكتبة الجسد كتب واصدارات

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 15 - 03 - 2009, 08:39 PM   #1 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
رفٌ مُؤقّت

الكتب و المجلات التي تحتل زاوية كبيرة منه تبدو منها أطراف كتاب قرأته منذ أسابيع و لم أكتب عنه فأجلت عودته لمكانه، و الرواية التي أنهيتها قبل أيام و أنتظر أن أتنفس هواءاً نقيا ً قبل الشروع في نثر حكايتي عنها على الأرض البيضاء، تقول أنه رف.

الضوء الليلي الخافت الذي ينبعث من وسط زنبقة مثقلة، قنينة الماء نصف الفارغة، علبة المحارم التي اضطررت للوقوف على قدم واحدة من احتلال الكتب للمكان، الكريم الليلي الذي يستند للحائط بملل، و الأقراط المنسية ذات نعاس غامر ، و القلم العابث الذي يشاكس الجميع بالقفز وسط المساحات الضيقة الفارغة يلمحون إلى أنه (كومدينو) .

السيقان الأربعة الدقيقة التي ترفعه عن الأرض، تصر على أنه طاولة، فالسيقان خاصية تميز نوع الطاولات و نصحتني بقراءة معجم (الأدوات المنزلية)، فكان رفٌ مُؤقّت.













*
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15 - 03 - 2009, 08:46 PM   #2 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
أوهام النخبة أو نقد المثقف





أوهام النخبة أو نقد المثقف

د.علي حرب

المركز الثقافي العربي

224 ص

كان هذا الكتاب أحد أربعة كتب وجدتها لعلي حرب في معرض الدوحة للكتاب 2008، و بعد تصفح للكتب اخترت هذا الكتاب لأتعرف منه على علي حرب و أفكاره قبل أن أقتني بقية كتبه.

يقوم د. حرب في هذا الكتاب بنقد مفهوم المثقف في الثقافة - العربية خصوصا ً - و ما أصبح يشكله هذا المفهوم من دلالات، و كيف اكتسب طبقات من المعاني منذ الثورة الفرنسية حتى الأن، معيدا ً النظر في دور المثقف في المجتمع، و ما يضطلع به، علاقة الثقافة بالسلطة، و علاقة المثقف بالسلطة، متتبعا ً أسباب فشل المثقف في أداء دوره لتراكم مجموعة من المفاهيم في ذهنية المثقف شكلت حاجزا ً بينه و بين المجتمع بل أفضلت لقطيعة بين المثقف و مجتمعه الذي يعيش فيه.

يرتكز الكتاب على تعرية مجموعة من المفاهيم التي تشكل أساسيات في ذهنية المثقف في تعامله مع أفكاره و مع المجتمع من حوله هي: الوهم الثقافي و يرتبط بمفهوم النخبة، الوهم الإيديولوجي و يرتبط بمفهوم الحرية، الوهم الماورائي و يرتبط بمفهوم المطابقة، الوهم الحداثي و يرتبط بمفهوم التنوير، الوهم الإناسي و يرتبط بمفهوم الهوية، و يتم هذا في ثمان فصول، تحتل مقدمة الطبعة الأولى و الثانية الفصلين الأولين، في حين يختص الفصل الخير بلقائين معه يتم فيهما إلقاء الضوء على كتابه و أفكاره ، الأول أجراه إسماعيل فقيه و الثاني أجراه معه فيصل دراج، و بهذه الفصول يتمم الكاتب العناصر التي تبين و توضح أفكاره.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15 - 03 - 2009, 08:58 PM   #3 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
الكتاب بشكله حكاية، ذلك البياض الممتد ذو الملمس المخملي على الغلاف متيحا ً للعنوان و اسم المؤلف بالبروز فتنني منذ أول نظرة، لأغلفة الكتب سطوة معينة تتمدد و تنحسر وفقا ً لمزاجي و أشياء أخرى تحكم لحظة اختياري للكتاب.

الكتاب من الكتب التي لم أكن بعدها كما كنت قبلها، كتاب رغم نحوله يحمل أفكارا ً تدفع الاضطراب في نواحي مختلفة، و أكثر ما يثيره ليس مسألة و دور المثقف بل يفكك هذا (المفهوم) و كيفية قيامه بفعله حتى مرحلة معينة، أحببت علي حرب هنا.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 03 - 2009, 07:03 PM   #4 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
بذهول / في الهند





إله الأشياء الصغيرة

أروندهاتي روي

ترجمة: م. جهان الجندي

دار الجندي للطباعة و النشر - هذه المرة الأولى التي أصادف فيها هذا الاسم، و هو لقاء حافل جعلها من أول رواية تتبوء مكانة عالية في دور النشر المفضلة لدي - و لكني أخذت الرواية من دار ورد، شعار دار الطباعة يبدو مميزا ً أخضر اللون برسم جانبي صغير لجندي يعتمر ما يشبة العمامة و يمسك رمحا ً و درعا ً، يحتضن الدرع اسم الدار، يأتي الشعار بشكل مائل متعرج و كأنه أثر ختم قديم.

الأن فهمت سر اللوحة التي تتوسد الغلاف، سر العنوان الذي يبدو و كأنه دهشة طفلة فتحت فمها لتحكي و توقفت الصورة هنا، بنصف كلمة، بنصف خيالات لم تكتمل.

(التصقا بأشياء صغيرة. بقيت الأشياء الكبيرة كامنة في العمق إلى الأبد، كانا يعلمان أنه لم يكن يوجد مكان ليذهبا إليه. لم يكن لديهما أي شيء. لا مستقبل. و لذلك التصقا بالأشياء الصغيرة)

سحبتني الرواية للعمق فورا ً، حيث التفاصيل المشعة، ذات الحرارة و التي لن تنتظرني بل علي أن أفتح عينيّ على اتساعهما لألتقطها قبل أن يعجز مجال بصري عن الإمساك بها، حتى بعد أيام طويلة من انتهائي منها لم أكد أبدأ بالكتابة عن الرواية حتى تسللت روحها لأصابعي و بت أشعر بأن أنفاسها توجه أصابعي.

التعليق المخطوط بلون عنابي داكن أسف اسم الرواية كان ( الرواية الحائزة على جائزة Booker Prize لعام 1997 ) كان في محله بل بدا لي امتداح للذائقة لدى حكّام المسابقة.
و الرواية تحدق إليّ و أنا أكتب الأن لا أملك إلا الإعجاب المختلج في داخلي للكاتبة العظيمة التي خطت حروفها، كيف خلقت عالما ً من التفاصيل الصغيرة و زرعت فيه (راحيل بنافورة الحب في طوكيو، و أستابن بنظرته الهادئة التي تكاد تجعله يتوارى في محيطه و انضباطه الفطري ، و آمو بقلب يشبه النار في زجاجة)، كيف نحتت تلك الفلسفة، كيف حطت تلك القطعة الضاجة من الهند بين يديّ في شبه الجزيرة ذات النفس الصحراوي بنعومة تكاد تشبه بذرة تشق طريقها برقة من بين حبيبات الرمل.

تغوص الكاتبة في البيئة الهندية بزواياها الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية مصورة أقصى القاع، و الأرواح المكبلة على جانبيه، لكن هذه ليست الرواية فقط ففي حين تنطلق الكاتبة من هذه النقطة تأخذني معها في عالم من الملابس الغريبة و اللغة التي تطرق السمع برنين غريب و الأحلام الضيئلة و التي تكاد تكون بعشر أحجام أصحابها و الشفاة المرتجفة بكلمات موؤودة بقارب من اللغة يبحر في نهر يتدفق سحرا ً، تصوغ فلسفتها بسير وئيد يكون في داخلي مفهوما ً جديدا ً للأشياء، للتفاصيل، للرواية، للكلمة، لسحر اللغة، للإنسانية، للفن، للمتعة، للسرد، للشخصيات، و الكاتبة تفعل هذا بتقنيات سردية متنوعة بلا نظام صارم، بل عبر تفصيل صغير ، أو لمحة شعور، إو إيماءة عابرة تأخذ معه السرد إلى سنوات ماضية قبل أن تنتقل لمكان آخر و حكاية أخرى، إن صح التعبير فهي تستخدم الفلاش باك و لكن بأسلوب جديد و استخدام يثري المفهوم و يمنحه مدارات جديد يحلق فيها.

المترجمة تتذوق الكلمة، تمتصها، تجعلها تتخمر في روحها حتى تصعد إيحاءاتها على السطح ثم تختار نظيرتها في العربية، تترجم بروح متوقدة هذه الجهان، أتمنى لو كان هناك جائزة للترجمة حتما ً تستحق جهان الاحتفاء .

كانت الرواية وجعا ً لذيذا ً يحفر لنفسه مكانا ً قصيا ً في روحي و يستكين هناك، و اعدا ً بأنه لن يخرج عن دائرة (الروايات المذكورة بشدة) .



* حقٌ يعود لأصحابه: لم أبذل جهدا ً في الصورة و جدتها في موقع شخصي فأخذتها.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 03 - 2009, 07:35 PM   #5 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
بذهول لم يخبو

بحثت عن آروندهاتي روي و ما قيل عنها كثيرا ً بعد الرواية و لم أجد إلا كتابات شخصية لمن قرأ الرواية، أو عروض تسويقية على واجهات مكتبات إلكترونية، منها اكتشفت أن للكاتبة رواية أخرى بعنوان (ثمن العيش) بترجمة دار ورد هذه المرة - و هو شيء سيء، سيء جدا ً بحق الرواية إن انطبقت عليها الترجمات التي اصطدمت بها من دار ورد، دار ورد حتى الأن تبيع بشكل جيد، لكنها تترجم بشكل يكسر النص و اللغة و المتعة و حتى روحي القارئة - ، خرجت من بحثي بنقطتين:
- قلة بل ندرة ما كُتب عن الكاتبة باللغة العربية.
- وجود نشاط إنساني - والذي أظنه من آثار الشهرة و المكانة الأدبية التي حصلت عليها بعد جائزة البوكر - للكاتبة و لكن ما وصلنا منه بالعربية مجرد جملة عابرة.

أعلم أنهُ حمل ثقيل أن تكون الكوة الأولى التي أوصلتني للأدب الهندي (إله الأشياء الصغيرة)، سيجعل هذا تذوقي للأدب الهندي أكثر انتقاءا ً و ربما يعمي عينيّ عن روايات عظيمة لأنها تختلف بشكل ما عن التفاصيل الأولى التي لامستها حواسيّ في الأدب الهندي، عن لكني ما كنت لأستبدلها بكوة أخرى.

هكذا يبدو غلاف الرواية بالترجمة الإنجليزية، و هو فتنة أخرى أضيفها لعقد الفتن التي تخص هذه الرواية في روحي- أتساءل ماذا سأفعل عندما أجد الرواية بهذا الغلاف؟ هل سآخذها بلهفة ؟ أم سأخوض جدلا ً طويلا ً مع نفسي لإقناعها بأن فعلي ليس هلوسة من تأثير القراءة ؟ -.

نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 03 - 2009, 10:21 PM   #6 (رابط المشاركة)
أرَق
 
الصورة الرمزية ليانا
 
تاريخ التسجيل: 03 - 2004
المشاركات: 3,131
مرحبا نبضآت
أقدر جداً افتتانك بـ : إله الأشياء الصغيرة ، فهي عمل خلاب يستحق .
بالنسبة لـ : ثمن العيش ، فهي ليست رواية ، بل كتاب تناقش فيه أروندهاتي روي أمرين ، أولهما : الأوهام التي تسوقها الحكومة الهندية حول مشاريع السدود الضخمة التي أنشأتها في شبه القارة الهندية تلبية لنداء التطور ؛ فنجم عنها تشريد ملايين من الهنود ، وتهجيرهم من منازلهم ؛ وآخرهما : التفجير الأول للقنبلة النووية وما رافقه من تبريرات سياسية ، وقمع ، وتضييق على المعترضين .
الكتاب من ترجمة : جهان الجندي ، وهي نفسها التي ترجمت : إله الأشياء الصغيرة .
لن تكون ترجمة سيئة إذن (:
وهو برأيي يستحق القراءة ، إن كان يروقك هذا النوع من الكتب .
من أجوائه :
[ إذا كان الاعتراض ضد غرز القنبلة النووية في دماغي هو أمرٌ ضد الهندوسية وضد الوطنية ، فأنا أنسحب . إنني أعلن نفسي هنا جمهورية مستقلة . أنا مواطنة أرضية . لا أملك أي تراب . وليس لدي عَلَم . أنا أنثى ، ولكن ليس لدي شيء ضد المخصيين . سياساتي بسيطة . أنا مستعدة لأوقع معاهدة تمنع انتشار الأسلحة النووية أو اتفاقية تحظّر التجارب النووية . أرحب بالمهاجرين . تستطيعون أن تساعدوني بتصميم عَلَمنا .
لقد مات عالمي . وأنا أكتب لأرثي موته ] .
__________________
[ الدُّنيا كُلُّها طُيورٌ ميتة ... ]*
* ميسلون هادي
ليانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 - 03 - 2009, 05:18 PM   #7 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ليانا مشاهدة المشاركة
مرحبا نبضآت
أقدر جداً افتتانك بـ : إله الأشياء الصغيرة ، فهي عمل خلاب يستحق .
بالنسبة لـ : ثمن العيش ، فهي ليست رواية ، بل كتاب تناقش فيه أروندهاتي روي أمرين ، أولهما : الأوهام التي تسوقها الحكومة الهندية حول مشاريع السدود الضخمة التي أنشأتها في شبه القارة الهندية تلبية لنداء التطور ؛ فنجم عنها تشريد ملايين من الهنود ، وتهجيرهم من منازلهم ؛ وآخرهما : التفجير الأول للقنبلة النووية وما رافقه من تبريرات سياسية ، وقمع ، وتضييق على المعترضين .
الكتاب من ترجمة : جهان الجندي ، وهي نفسها التي ترجمت : إله الأشياء الصغيرة .
لن تكون ترجمة سيئة إذن (:
وهو برأيي يستحق القراءة ، إن كان يروقك هذا النوع من الكتب .
من أجوائه :
[ إذا كان الاعتراض ضد غرز القنبلة النووية في دماغي هو أمرٌ ضد الهندوسية وضد الوطنية ، فأنا أنسحب . إنني أعلن نفسي هنا جمهورية مستقلة . أنا مواطنة أرضية . لا أملك أي تراب . وليس لدي عَلَم . أنا أنثى ، ولكن ليس لدي شيء ضد المخصيين . سياساتي بسيطة . أنا مستعدة لأوقع معاهدة تمنع انتشار الأسلحة النووية أو اتفاقية تحظّر التجارب النووية . أرحب بالمهاجرين . تستطيعون أن تساعدوني بتصميم عَلَمنا .
لقد مات عالمي . وأنا أكتب لأرثي موته ] .
أنتِ معجبة أخرى إذاً : )
شكرا ً لإضافتك ليانا، و للتفاصيل التي جلبتها معكِ، شاهدت الكتاب معروضاً في واجهة أحد المواقع و أثار كآبتي شعار دار ورد المطبوع على غلافه و انعدام أي إشارة للمترجم، فكان توجسي أن تفسد دار ورد كتابا ً آخر.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 - 03 - 2009, 05:28 PM   #8 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
في صحبة البوكر مرة أخرى

حياة باي - الرواية الفائزة بجائزة بوكر لعام 2002 -





يان مارتل





ترجمة: سامر أبو هواش

منشورات الجمل

399 صفحة

صادف أن أقرأ هذه الرواية بعد رواية إله الأشياء الصغيرة و التي فازت بجائزة البوكر عام 1993، و هذا بشكل ما منحني نقلة ضوئية بين معايير الجائزة في الفترة خلال السنتين، مما لاحظته أنه يراعى في الرواية الفائزة مدى تمثيلها لبيئة الكاتب الخاصة، و العجيب أن هذه الرواية تتحدث عن بيئة هندية - في جزء من الرواية - كما أن الشخصية الرئيسية صبي هندي كما في سابقتها.

الرواية مختلفة عن الحبكات التي تدور في الروايات عادة، فهي في الجزء الأكبر منها تدور بين عالم الإنسان و عالم الحيوان، ليس بما يمثله الأخير من مجهول و وحشي، بل بما يمثله بوصفه عالم كائنات حية تتقاسم مع الإنسان أشياء كثيرة، حيث يدرك الإنسان مدى جمال و الوحشية التي يمكن أن يكون عليها هذا العالم.

شدتني الرواية بقوة خاصة بكل تلك الحيوانات و أطوارها الغريبة و التي تحتشد بين دفتيها، يُعيد الكاتب هنا الإنسان للطبيعة البسيطة حيث عليه أن يواجه الحيوانات و خطرهم كل يوم و لكن في بيئة وشروط فريدة، لكن هذا ليس المحور الوحيد للرواية بل هناك عدة محاور في الرواية تتصل ببعضها بخيوط غير مرئية لتشكل هذه التحفة، لا يلقي الأسئلة بشكل مباشر بل يترك سير الرواية و أحداثها يحفز الاستفهامات في ذهني، حول المناطق المحرمة المحيطة بالأديان ، علاقة الإنسان بربه و انسخلت من كونها علاقة خاصة حتى التي كادت تصبح مجرد مفهوم يرتبط بيئات معينه مثل الصوفية و الهندوسية، ماذا يبقى من إنسانيتنا بعيدا ً عن المدنية حينما نقف لوحدنا أمام الطبيعة؟، أسئلة متوالدة تقفز أمامي خلال السرد وسط ضجيج الحيوانات العابرة و التي لا يهمها ذهولي أو عدمه.

لكن السؤال الكبير برأيي هو السؤال الأخير الذي على إثره تفرعت الرواية لفرعين، أحدهما المعقول البشع الذي تتقبله عقولنا التي دجنتها المدنية، و الآخر اللامعقول الساحر الذي لا نصدقه لأننا لم نصادفه يوما ً.

(أليس إخبار شيء ما يصبح دائما ً حكاية؟) سؤال لا يزال له رنين يرتبط في ذهني بكل ما له علاقة بهذه الرواية.

أقول : بلى و لهذا فهذه قصتي عن حياة باي التي قرأتها و عشتها.


آخر تعديل بواسطة نبضآت ، 25 - 03 - 2009 الساعة 05:42 PM سبب آخر: لإعادة غلاف مفقود
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 - 03 - 2009, 05:39 PM   #9 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
بحثا ً عن يان مارتل

غريب كيف تجذب البيئات البعيدة التي تحيطها التخيلات و المرض و الجهل والفقر مع الذباب الجوائز العالمية ، أولا ًالمجتمع الهندي بعيون هندية، و الأن شيء من المجتمع الهندي و بطل هندي بعيون اسبانية !




اقتباس:
يعتقد يان مارتيل انه لا حاجة لوصف طول وعرض ولون البطل ولا تقديم شئ من التفاصيل وترك ذلك لخيال القارئ. إنه بهذا التجريد يظن أنه يغني العمل. و في نسخة الرواية مع الرسوم، اختار رساما لم يرسم البطل ولكن رسم كل شئ من خلال عينيه.
*






* هنا شيء من ذاك و مجموعة أخرى من الصور، و نصيحتي لمن لم يقرأ الرواية أن لا يفسدها بالضغط هنا .
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 - 03 - 2009, 05:58 PM   #10 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
اقتباس:
حديث مع امرأة جميلة
مررت عليه مرات كثيرة، و هذه المرة قرأتها للإجابة على سؤال لم يجد إجابة حتى الأن، ما سر المحمولات الدلالية التي تضيفها الصفة في العنوان ؟ هل جاءت بقصد واع أم بقصد غير واع؟
لاريب أن (حديث مع امرأة جميلة) استوقفتني.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 - 03 - 2009, 06:20 PM   #11 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
مثير ما جاء به اليحيائي

اقتباس:
- إن ارائي الخاصة مسألة لا خطر لها ولا تعني أحدا غيري، ولكنك سألتني فأسمح لي أن أقول إنني متردد، ولكنني في أقصى خطرات هذا التردد لم أكن قط ملحدا بالمعنى الذي يفهم فيه الإلحاد على أنه إنكار لوجود الله، واحسب أن وصف اللا ادري يصدق عليّ في أكثر الأوقات لا جميعها كلما تقدمت بي الأيام.
بعيدا ً عن ظلال فلسفة اللاأدري الظاهرة في عبارة داروين هذه، و بعيداً عن الموضوع الديني الذي تطرقه، ببساطة العبارة و حصرا ً لها في جملتيها الأوليين أجده صادقا ً جدا ً في بحثه هذا، و دقيقا ً في وصف بعض أحوال البشر، عبارته هذه أجدها في نفسي في حالات كثيرة، تلفني الحيرة في نقاط كثيرة و لا أدعي أني أجد أجوبة دوما ً، مترددة، لا أدري، لا أعرف تماما ً، ربما، قد يكون، كلمات صادقة في نقل حدود المعرفة البشرية عموما ً و معرفتي الشخصية خصوصا ً، لكنها تعرضت للتشويه دوما ً على يد من يرون أننا يجب أن نكون موقنين، واثقين، قطعاً، بالتأكيد، بلا شك، في تعاملنا مع الأفكار و الأحوال و الوقائع، المثير للعجب أن اليقينيات الدينية التي أتى بها الإسلام قليلة فيما الأن يبدو الدين مكبلا ً بكثير من القيود و اليقينيات (الطفيلية) !، بل كل شيء أصبح ملوثاً باليقينيات الكثيرة التي لا يُسمح حتى بالتساؤل حولها.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 - 03 - 2009, 08:22 PM   #12 (رابط المشاركة)
سلمى الهلالي
 
الصورة الرمزية _Salma_
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
الدولة: الواق الواق
المشاركات: 3,777
رف ثري... ليته يصير دائما

جميل يا نبضات
__________________
_Salma_ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02 - 04 - 2009, 09:22 PM   #13 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
من يخبر الكتّاب أن يترفقوا ؟!

اقتباس:

يجد الإنسان النقي نفسه في حالة من النفور من المجتمع، لأن كل تجمع ينتج منافقيه، وكل تكتل ينتج مرتزقته وحثالاته، وكل مجتمع يفرز فطرياته الضارة، فيجد المفكر نفسه في حالة من النفور المستمر من كل التجمعات فيصنع عشه الصغير المكون من أوراق وكتب وصداقات وأحباب .... " العزلة " ليس مجرد شخص «يغلق على نفسه الباب» كما يظن بعض السخفاء وضعاف التفكير الذين تسكن عقولهم الديدان، ولكن العزلة هي «شعور داخلي عميق» أن تثقب العزلة كونك الخاص أن تخرجك عبر ثقب تحفره المعرفة من عالم السخف والتبضع والاستهلاك والتلذذ إلى عالم آخر، لا يمكن وصفه، عالم سحري، هو خليط من الإلهام والألم، من التساؤل والضنك، من التحرق للأجوبة، ومن التحرق لصناعة الأسئلة، عالم يتحرك بين الفراغات والمراكز بين الهوامش والثقوب، يدخلك في دوامة البحث، إنها أن تكون وحدك حتى ولو سيّروك رغماً عنك بين مليارات البشر، إن «العزلة» هي (أنثى) المعتزل معها يعيش في هناء أليم، لايمكن التنبؤ بنهايته، أو التكهن بسبب بدايته، إنها عاصفة لا تفهمها الأكياس البشرية التي ترهق الأرض بتواجدها العبثي على القشرة الأرضية من دون أن تنتج أو أن تسأل.


اقتباس:
إن «العزلة» هي (أنثى) المعتزل معها يعيش في هناء أليم، لايمكن التنبؤ بنهايته، أو التكهن بسبب بدايته / إنها عاصفة لا تفهمها الأكياس البشرية التي ترهق الأرض بتواجدها العبثي على القشرة الأرضية من دون أن تنتج أو أن تسأل.
*



بعد فقرة من الحديث حول المعنى الروحي للفلسفة تنتهي الفقرة بهذه الجملة، و التي قسمتها لاثنتين لأن كليهما أثارتا هواجس راكدة.

بعد الاستفاضة حول معنى العزلة انحصر المعنى في عبارة ( إن «العزلة» هي (أنثى) المعتزل معها يعيش في هناء أليم، لايمكن التنبؤ بنهايته، أو التكهن بسبب بدايته )، و هذا التعريف المسبوق بالتوكيد عرّف العزلة بـ الأنثى، و المقابل الحتمي هنا هو أن المعتزل هو الذكر، فالعزلة - حسب النص - تمثل ملاذاً مؤلما ً لا خلاص منه غامض غير مأمون لكنه محبب بل هي الخيار الذي يقع عليه الإنسان المفكر، كلما قلبّت هذه الجملة كلما وجدتها إقصاءً للأنثى من فعل التفكير و الذي انتهى النص لجعله ممارسة ذكورية بامتياز، المشكل أن كل هذا من الأرجح أنه جرى من خلف ظهر الكاتب، تلاعبت الثقافة بباطن كلماته و وصلتني بهذه الطريقة.

أما النصف الثاني من العبارة، فربما يكون له حديث آخر.




* الجملة من نص لكاتب صحفي، و العهدة على ناصر الحسن.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02 - 04 - 2009, 09:37 PM   #14 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
حياكِ الله سلمى :)

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة just salma مشاهدة المشاركة
رف ثري... ليته يصير دائما

جميل يا نبضات


أترين ؟ أنا لم أهرب سوى من الديمومة.

لا، هو رفٌ مؤقت اسما ً و معنى، فالديمومة أو أي كلمة قريبة منها أو حتى عدم تحديد صفة معينة يستدعي شيئا ً من الالتزام أو يترك الأمر عائماً حسب رغبتي، و أكثر من يعنيني شأنه هنا هو نفسي التي بين جنبيّ، فعندما ألتزم أمامها بشيء من الصعب أن أتخلص منه أو أتركه معلقاً، و لا أسوء منها عندما أترك الأمر في فوضى هكذا، فكيف سأرضيها حينها ؟!

لا يا سلمى، أنا أشتري حريتي هنا، هو مؤقت فهو ليس رفا ً لكتبي و لا لقراءاتي، بل لما أنتقي منها و لأشياء أخرى تجتمع معها في تجمعها لإثارة اهتمامي، و هو مؤقت لأنه وُجد لغرض معين و سأتخلص منه حالما يستوفي الغرض.

أتدرين أنكِ تثيرين الشهوة للثرثرة ؟

نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02 - 04 - 2009, 09:47 PM   #15 (رابط المشاركة)
سلمى الهلالي
 
الصورة الرمزية _Salma_
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2005
الدولة: الواق الواق
المشاركات: 3,777
3

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نبضآت مشاهدة المشاركة

بعد فقرة من الحديث حول المعنى الروحي للفلسفة تنتهي الفقرة بهذه الجملة، و التي قسمتها لاثنتين لأن كليهما أثارتا هواجس راكدة.

بعد الاستفاضة حول معنى العزلة انحصر المعنى في عبارة ( إن «العزلة» هي (أنثى) المعتزل معها يعيش في هناء أليم، لايمكن التنبؤ بنهايته، أو التكهن بسبب بدايته )، و هذا التعريف المسبوق بالتوكيد عرّف العزلة بـ الأنثى، و المقابل الحتمي هنا هو أن المعتزل هو الذكر، فالعزلة - حسب النص - تمثل ملاذاً مؤلما ً لا خلاص منه غامض غير مأمون لكنه محبب بل هي الخيار الذي يقع عليه الإنسان المفكر، كلما قلبّت هذه الجملة كلما وجدتها إقصاءً للأنثى من فعل التفكير و الذي انتهى النص لجعله ممارسة ذكورية بامتياز، المشكل أن كل هذا من الأرجح أنه جرى من خلف ظهر الكاتب، تلاعبت الثقافة بباطن كلماته و وصلتني بهذه الطريقة.

أما النصف الثاني من العبارة، فربما يكون له حديث آخر.




* الجملة من نص لكاتب صحفي، و العهدة على ناصر الحسن.
هل هي الثقافة أم طبيعته كذكر؟
في النهاية البشري لا يستطيع أن يخرج عن جنسه... كل شيء مطلي بلون جنسه...
حين يتحدثون عن كتابات نسوية... و أن لها ثيمات معينة...
فأيضا الكتاب من الذكور كتاباتهم ذكورية... و لها ثيمات معينة...
معظم الكتابات من السهولة كشف ما إذا كان الكاتب ذكرا أو أنثى...
و نادرا ما يكون الكاتب من الانتباه بحيث يحاول أن يستحضر كلا الحالتين...

فكرة بت أومن بها أن البشري مخلوق ذاتي لا موضوعي...
الموضوعية كلمة لا وجود لها بين البشر... لأنا لا نستطيع أن نخرج من ذاتيتنا كبشر... و العوامل التي تحكمنا... كالجسد و الزمان و المكان و القوانين الفيزيائية الخ كلها تؤثر فينا...

لذلك لم تعد هذه الكتابات تثير حفيظتي كما الماضي... مجرد أني أقرأها و أبتسم



على فكرة نبضات... جوابك التالي أعجبني جدا و جدا و جدا...
تذكرينني بفتاة أعرفها تمام المعرفة قُدر علي الالتصاق بها للأبد
دعيه إذن مؤقتا و فوضويا و خارجا عن التصنيف و خلاقا

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نبضآت مشاهدة المشاركة
لا، هو رفٌ مؤقت اسما ً و معنى، فالديمومة أو أي كلمة قريبة منها أو حتى عدم تحديد صفة معينة يستدعي شيئا ً من الالتزام أو يترك الأمر عائماً حسب رغبتي، و أكثر من يعنيني شأنه هنا هو نفسي التي بين جنبيّ، فعندما ألتزم أمامها بشيء من الصعب أن أتخلص منه أو أتركه معلقاً، و لا أسوء منها عندما أترك الأمر في فوضى هكذا، فكيف سأرضيها حينها ؟!

لا يا سلمى، أنا أشتري حريتي هنا، هو مؤقت فهو ليس رفا ً لكتبي و لا لقراءاتي، بل لما أنتقي منها و لأشياء أخرى تجتمع معها في تجمعها لإثارة اهتمامي، و هو مؤقت لأنه وُجد لغرض معين و سأتخلص منه حالما يستوفي الغرض.
_Salma_ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09 - 04 - 2009, 12:48 PM   #16 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
سأعود يا سلمى :)




مدخل إلى التنوير الأوروبي

هاشم صالح

دار الطليعة (بيروت) بالتعاون مع رابطة العقلانيين العرب

264 ص

اخترت هذا الكتاب ليكون محطتي الأولى في استكشاف عصر التنوير الأوروبي، فمعلوماتي حول التنوير الأوروبي هي نتف من مواد دراسية و قراءات و مقالات لا تشكل كيانا ً أو صورة واضحة أستطيع من خلالها التعرف على عصر التنوير الأوروبي و فلاسفته و رواده و حقيقة أفكارهم.

يبدأ الكاتب برسم الملامح الفكرية و الدينية للمرحلة التي سبقت عصر النهضة قبل أن يلج عصر التنوير - وهذه نقطة مهمة التفريق بين عصر النهضة و هو ما مهّد لعصر التنوير - ، و هذا يعني القرون الوسطى و التي تمتد على مرحلتين: القرون الوسطى الأولى من القرن الخامس إلى القرن العاشر و هي الأكثر ظلامية في تاريخ أوروبا، و القرون الوسطى الثانية بين القرن الحادي عشر و الرابع عشر، حيث بدأت العقلانية بالدخول إلى أوروبا في القرن الثاني عشر و استمرت بالتصاعد على مشارف عصر النهضة في القرن السادس عشر، لكن الكاتب يؤكد على مسألة ضرورية وهي أهمية إعادة التحقيب الإبستمولوجي للتاريخ بالنسبة لنا نحن العرب، فتقسيم الفكر الأوروبي المعاصر الذي أخذناه عنهم هو :

أ‌-العصور القديمة: اليونانية و الرومانية.

ب‌-العصور الوسطى: وفد أصبح مفهوما ً يشير لمرحلة سوداء من التاريخ.

ت‌-العصور الحديثة.

و عند التدقيق نجد أن تلك المرحلة الموسومة بالعصور الوسطى هي بالنسبة لنا نحن العرب قمة الإزدهار الفكري و الحضاري، بدءً من ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي إلى القرن الثاني عشر حيث وفاة ابن رشد - هذه الحادثة التي أرّخ لها الكاتب ببداية موت الفلسفة في العالم العربي و الإسلامي و هذا من ضمن أسباب أخرى هو أعاق تقدمنا و أدخلنا في عصور موت و ظلام - و كانت هذه القرون الخمسة قرون مجد و ازدهار للحضارة الإسلامية و العربية.

أعود مرة أخرى للتقسيم الأوروبي للفكر الحديث حيث يقسمونه إلى ثلاث تركيبات فلسفية: الأولى وهي التي خلفها أرسطو في العصور القديمة، الثانية هي التي أوجدها توما الأكويني بالنسبة للعصور الوسطى، الثالثة التي أوجدها هيغل بالنسبة للعصور الحديثة.
يتركز جهد الكاتب حول العصور الوسطى و التي يميزها بحسب جاك لوغوف، هيمنة العقيدة اللاهوتية المسيحية على العقول، صورة الإنسان المتشائم الضعيف الخائف من ارتكاب الذنوب في كل لحظة، الزهد في الحياة الدنيا و احتقارها و اعتبارها دار العبور إلى الحياة الحقيقية حياة النعيم في الدار الآخرة، هيمنة العقلية الرمزية و الخيالية على وعي الناس، هذه السمات هي التي أنتجت إيمانا ً لاهوتيا ً قروسطيا ً لايؤمن بأي تعددية أو حتى محاولة لإشراك العقل في الإيمان، حيث الإيمان حول عمل قلبي يقيني بكل ما ينزل به الوحي و أي إشراك للعقل هو هرطقة فأي إيمان هذا هو الذي يحتاج للعقل ؟!، و نتيجة لهذا احتكرت الكنيسة ورجالاتها فهم النصوص المقدسة و تأويلها، و ساعدهم ذلك على الحصول على سلطة دينية و سياسية رهيبة من ضمن ما أنتجته محاربة العلم طيلة قرون حتى أنتجت محاكم التفتيش و التي ترمز لذروة الإرهاب الديني، كل هذا ولد ثنائيات تختزل الصراع الذي دار طيلة القرون الوسطى الصراع بين العقل / الإيمان.

و لنفهم البيئة التي فيها نمى عصر النهضة، بل لنفهم حقيقة الحداثة و ما بعد الحداثة يرى الكاتب أننا يجب أن نعود لأوروبا القرون الوسطى و نعيد موضعة الأحداث التاريخية لنفهم كيف بدأ الصراع، و كيف بدأ عصر النهضة، لنفهم ما يحدث الأن، بل يذهب الكاتب لأبعد من هذا فهو اعتمد مرات كثيرة على المقارنة بين أوروربا عصر النهضة و عصر التنوير من بعد بالعالم الإسلامي و العربي اليوم، فهو يرى بأننا أقرب فكريا ً لفلاسفة و مفكري عصر النهضة و عصر الأنوار بينما نحن أقرب زمنيا ً فقط من فلاسفة أوروبا المعاصرين، و السبب هو أننا نخوض ذات الصراعات الفكرية/ الدينية التي كانت تعيشها أوروبا منذ قرون، لهذا يستفيض الكاتب في تبيين البيئة الفكرية والاجتماعية و السياسية التي جعلت عصر النهضة حتما ً، فقد كان علم اللاهوت هو أساس العلوم كلها، حيث كل المعرفة موجودة في النصوص الدينية يلخص روجيه بيكون هذا الموقف قائلا ً*: ( لايوجد إلا علم واحد كامل و تام أعطاه الله للإنسان من أجل التوصل إلى غاية واحدة: هي النجاة في الدار الآخرة، وهذا العلم متضمن كله في الإنجيل، و لكن ينبغي شرحه و تفسيره عن طريق القانون الكنسي و الفلسفة. و كل ماهو مضاد لهذا العلم المقدس أو غريب عنه فهو خاطئ و لامعنى له ) .

يرى الكاتب أن ما خلق الإرهاصات الأولى لعصر النهضة هو عملية التثاقف التي تمت في نهاية القرن الثاني عشر بعد سقوط طليطة بيد الإسبان، حيث بدأت عملية ترجمة واسعة للكتب الفلسفية و الفكرية و العلمية التي خلفها المسلمون في اسبانيا، قبل ذلك كانت عقيدة القديس أوغسطينوس ( 354 - 430) المشبعة بالتراث الأفلاطوني هي المسيطرة، ولهذا سببت الكتب الفلسفية التي تركها العرب و بخاصة كتب أرسطو و شروحاتها التي كتبها العرب صدمة كبيرة للعقلية المسيحية، خاصة و أنه كان يخضع ظواهر العالم للعقل بشكل علمي دقيق خارج أي إطار ديني أو لاهوتي، كانت المبادئ الفلسفية لأرسطو وثنية تصادم بشكل صريح الكثير من العقائد المسيحية و كانت تلك صدمة قوية خلقت صراعا ً بين رجال الدين، حتى ظهور توما الأكويني ( 1225- 1274) الذي الإشكالية بين الفلسفة و العقيدة المسيحية حينما مايز بين مجال الفلسفة الخاضع للمجال العقلي و مجال علم اللاهوت الخاضع للمجال الديني، فهناك حقائق يختص بها علم اللاهوت و لاشأن للفلسفة بها، مثلا ً بداية الخلق حقيقة يختص بها علم اللاهوت و لهذا لا شأن للفلسفة بها، لكن هذا التوافق رغم جدته الكبيرة حينها و كونه حل إشكالا ً كبيرا ً و سمح للفلسفة (الوثنية) بالتعايش مع الدين، إلا أنه في الحقيقة يتغافل عن حقيقة وجود مناطق تتقاطع فيها الفلسفة و علم اللاهوت رغم كل شيء.

هذا مختصر شديد ربما يضر بالفكرة لكن ما حدث أن هذه السطور القلائل التي كتبتها تلخص سنوات طويلة من الصراع و المنع و القرارت الكنسية حتى ظهر توما الأكويني بهذه الفكرة.

رغم أن الكاتب يركز على التغيرات الفكرية و التي عليها تنبني التغيرات السياسية و الإجتماعية إلا أنه لا يغفل بلورة أسبابا ً أخرى أرهصت بظهور عصر النهضة هي :
أ - الاكتشافات البحرية و الجغرافية التي قام بها الإسبان و البرتغاليون و التي أدت لإزدهار الحياة الآقتصادية في أوروبا، فأي نهضة فكرية أو اجتماعية تحتاج لنهضة اقتصادية تساندها و إلا سقطت.

ب - تطور النزعة الإنسانية ( Humanisme) و انتشارها في أنحار أوروبا بفضل اختراع الطباعة على يد يوهان غوتنبرغ.

ج - الإصلاح الديني و الذي استغرق سنوات طويلة و الكثير من الدماء و الجهد و العرق راح ضحيته الألوف من الناس و كان أساس الدعوات الفلسفية لكل فلاسفة و رواد عصر النهضة و عصر التنوير من بعده.

شمل هذا ثلث الكتاب تقريبا ً بعدها يعتمد الكاتب أسماء فلاسفة و مفكرين قادوا حركة التغيير الفكري و كيف أدى تراكم أفكارهم لحركة إخضاع النص الديني للنقد ،و من خلال ترصد أفكارهم ينفذ للصراع بين العلم/الدين على مدى سنوات عصري ّ النهضة و التنوير، فيبدأ من بيترارك ولورنزو فالا و إيراسموس و جيوردانو في عصر النهضة ، حتى رواد التنوير الأوائل مثل ديكارت و بيير بايل و غاليليو و سبينوزا و فولتير، لكنه يستفيض في عرض أفكار الأخيرين بوصفهما من أكبر فلاسفة عصر التنوير و الذين امتد تأثير أفكارهم على الحركات الفلسفية بعدهما.

الكتاب رحلة خلابة أخذتني لمحاكمة غاليليو و خوف ديكارت على حياته و الذي حدا به لحصر منهجه على كل العلوم ماعدا علم اللاهوت، و صراع جيوردانو مع الأصولية المسيحية حتى دفع حياته ثمنا ً لآراءه، عايشت سبينوزا و غربته و النكران الذي لقيه من أهله و بلده بسبب تخليه عن اليهودية ثم النكران الذي لقيه من المسيحية الكاثوليكية التي بدأ يشكك في عقائدها، كتاب مهم خاصة و أن الكاتب اعتمد بشكل شبة كلي على المصادر الفرنسية و الإنجليزية و على ما قاله أهم مؤرخي تلك الفترة، الهفوة الصغيرة للكاتب أنه أغفل وضج قائمة بأسماء المصادر التي اعتمد عليها رغم أنه ذكرها في الهوامش وسط الكتاب، كما أنه أحيانا ً تأخذه الحماسة عندما يتحدث عن الوضع في العالم العربي و الإسلامي فيندفع بعاطفية.







*ص 21
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 04 - 2009, 08:11 PM   #17 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة just salma مشاهدة المشاركة
هل هي الثقافة أم طبيعته كذكر؟
في النهاية البشري لا يستطيع أن يخرج عن جنسه... كل شيء مطلي بلون جنسه...
حين يتحدثون عن كتابات نسوية... و أن لها ثيمات معينة...
فأيضا الكتاب من الذكور كتاباتهم ذكورية... و لها ثيمات معينة...
معظم الكتابات من السهولة كشف ما إذا كان الكاتب ذكرا أو أنثى...
و نادرا ما يكون الكاتب من الانتباه بحيث يحاول أن يستحضر كلا الحالتين...

فكرة بت أومن بها أن البشري مخلوق ذاتي لا موضوعي...
الموضوعية كلمة لا وجود لها بين البشر... لأنا لا نستطيع أن نخرج من ذاتيتنا كبشر... و العوامل التي تحكمنا... كالجسد و الزمان و المكان و القوانين الفيزيائية الخ كلها تؤثر فينا...

لذلك لم تعد هذه الكتابات تثير حفيظتي كما الماضي... مجرد أني أقرأها و أبتسم


أوه، لا .. لا تثير حفيظتي بل تثير شهيتي للتنقيب فهي عندما تتم تنطلق من مخزون عميق و دفين في اللاوعي، فعندما يكتب أحدهم كلمة تحمل دلالة سيئة أو محقرة لجنس النساء بأكمله لا أنظر له كمتعمد للإساء أصلا ً بل رجل يحمل خطأ وليد قرون طويلة، لكني لا أغض النظر طبعا ً.

سؤالك الأول معضلة قد تدخلنا للدهاليز العميقة و الخبيئة لعلاقة المرأة و الرجل، برأيي أن الرجل يكتسب ذكوريته - و لا أتحدث عنها عن الذكورة البيولوجية - من المجتمع، فهو يتعلم كيف يصبح ذكراً، ثم يسعى لكي يصبح رجلا ً و من مجتمعه و بيئته و عوامل أخرى تتضافر لتولد ما نسميه طبيعة الذكر.

أتفق معك الإنسان لا يستطيع أن يخرج من جنسه بل لا يستطيع أن يخرج مما يُسمى (إطاره الدلالي) الخاصو الذي يحكم نظرته لكل شيء، لكن مسألة الثيمات العامة للجنسين في الكتابة أراها تعميما ً يغفل أشياء أخرى، هناك إشارات في النص قد تدل على كاتب النص لكني لا أرى أن هناك (ثيمات) عامة، فالنفس الكتابي وليد عوامل مختلفة قد يبرز فيها أو لا يبرز جنس الكاتب، و عندما يبرز هذا في بعض النصوص فهذا لا يتعلق بـ (ثيمات) قدر ما يتعلق بخصوصية النص - الشعر مثلا ً ذاتي و لهذا فهو أدعى لبروز جنس الكاتب - أو لعوامل أخرى، مثلا ً كاتبة من الخليج سيكون جنسها في نصها أكثر بروزا ً من كاتبة في أمريكا أو أوروبا مثلا ً، و السبب هو العوامل الإجتماعية و الفكرية و السياسية التي خضع لها أو مر بها بالمجتمع بأسره بشكل إما يوسع أو يحصر دائرة اهتمامات الكاتبة، فعندما تنتقل الكاتبة من الإنتقال من القضايا التي تهم جنسها لقضايا تهم البشرية فهذا يقدم إشارات لبيئتها - اجتماعياً و فكريا ً و سياسيا ً -.

ضحكت و أنا أقرؤك هنا، بالتأكيد الإنسان مخلوق ذاتي، أقرب مثال هو الطفولة و التي تمثل المرحلة الأولى للإنسان، فيما بعد يتعلم الإنسان الانتقال من التمركز حول ذاته، لكن الموضوعية التي اظن أنكِ تعنينها هنا، هي مطلب عزيز، قلما نستطيع الوصول إليه، بل إني أرى أن الموضوعية فينا نسبية ترتفع و تقل تبعا ً لأشياء مختلفة.

اقتباس:
على فكرة نبضات... جوابك التالي أعجبني جدا و جدا و جدا...
تذكرينني بفتاة أعرفها تمام المعرفة قُدر علي الالتصاق بها للأبد
دعيه إذن مؤقتا و فوضويا و خارجا عن التصنيف و خلاقا
غيمة مطيرة للفتاة التي تعرفين : )

نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02 - 05 - 2009, 07:43 PM   #18 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
تحت شعار ( أنا لغتي )

احتفل قسم اللغة العربية يوم الثلاثاء الماضي بيوم اللغة العربية، و تعاقدت ظروف طيبة فوجتني بين الجمع الذي حضر مراسم يوم الاحتفال باللغة العربية.

كنت متأخرة بعض الشيء، فجئت مع نهاية الكلمة التي ألقاها وزير الثقافة و الفنون و التي امتدت أكثر مما وضع لها فحشرت فقرة الأسئلة الموجهة له في خمس دقائق، كان مقعدي بعيدا ً عن طريق منسقات اليوم، و بالتالي بعيدا ً عن أجهزة لاقط الصوت و خلال الدقائق الخمس ورد سؤالان انشغل الوزير بالإجابة عليهما، كان و لايزال - و أعتقد أنه من المقدر له أن يظل سؤالا ً لأمد بعيد - لدي سؤال تمنيت أن ألقيه على مسامع الوزير، لم يحدث هذا و لأن السؤال قلق سأتركه هنا، لا أعول أن تحمل الريح شيئا ً منه لحيث يجب أن يصل، هو شيء مزعج أود أن أقذفه خارج صدري.

يكثر الحديث مؤخرا ً حول الدوحة عاصمة الثقافة في عام 2010، و السؤال هو كيف أوفق بين هذا و بين الخلل الكبير في الدوحة في مجال الكتاب ؟!!

***

تنوعت فقرات اليوم و بدا الجهد المبذول فيها واضحا ً، لكن الأخصاء الصغيرة تراكمت لتاخذ في طريقة أي متعة ممكنة كنت سأجدها في ذلك اليوم،تنظيم يوم أو فقرة احتفالية بشيء معين شيء صعب، صعب جدا ً، حيث نجد أنفسنا في البداية أمام فكرة و المراد تحوليها لحدث أو موقف أو مادة معبرة عن مضامين هذه الفكرة، وهذا يجب أن يتم وفق شروط عسيرة هي الأخرى، أهمها جذب المشاهد، فكيف إذا كان المشاهد مجموعة من كبار أساتذة اللغة في الدولة و المهتمين بالشأن الثقافي و طالبات جامعيات ؟! لا ريب أنه كلما ارتفع مستوى وعي و فكر الجمهور كلما إزدادت صعوبة توقيع الفكرة و ارتفع سقف معاييرها، لكن هذا لا يبرر لمنظمات البرنامج بنظري، أقدر الصعوبات اللاتي واجهنها، لكن كانت هناك هفوات أخرى أوقن بأنه كان بإمكانهن تجاوزها.

الفقرتين الأفضل بنظري بل ما أرى أنهما جسدتا روح الاحتفال بيوم اللغة العربية و جاءتا قطعة فنية تثير في الروح تلك اللذة المصاحبة للكلمة هما القصيدة التي ألقاها الدكتور عبد السلام حامد، أستاذ النحو بالقسم و الذي تفتق عن شاعر مرهف الحس بشكل أدهشني * ، و إلقاء ثلاث طالبات قصيدة لمحمود درويش بإشراف الدكتور محمد لطفي اليوسفي، و كل اهتمامي بالفقرة الأخيرة هو د اليوسفي فلولاه لانقلبت الفقرة لشيء آخر شيء لا يشبه ما رأيته.

لدي نظرية - لا تعني أحدا ً سواي - هي أن غالبية أبناء الشام و خاصة الأردن ثم سوريا ثم فلسطين ألسنتهم أكثر استقامة على النطق العربي الفصيح أكثر من غيرهم من الدول العربية، فالطالبة من بلاد الشام و حتى لو لم تكن ذات باع في اللغة فإنها متى ما أتقنت القراءة - أعني بها القراءة الحقيقية المنغمة الحية حيث كل حروف يخبرنا بحكاية - جاء ما تقرؤه متعة صافية أتمنى لو تعيدها مرارا ً، لا أدري ما السبب تحديدا ً هل هو مرونة ألسنتهم على العربية، أم ماذا، من ألقين قصدية محمود درويش كن مجتهدات و يتضح لي آثار تعلمهن على يدي د اليوسفي و أكاد أسمع ملاحظاته على أدائهن لاحقا ً، لكن راقتني واحدة منهن فقط، كانت من أهل الشام، كنت أخشع بحواسي كلها عندما يأتي دورها في إلقاء الأبيات، يا الله أي لغة تخرج من الشام ؟!






* ربما لي حديث آخر عن هذا.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02 - 05 - 2009, 08:03 PM   #19 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
يا حفلة التيس !

حفلة التيس

ماريو بارغاس يوسا

ترجمة: صالح علماني

دار المدى، الطبعة الثانية

439 ص

اعتمادا ً على الكتيب الرمادي الصغير الذي يحمل اسم الرؤوساء - أول مجموعة قصصية جذب الكاتب على أثرها الاهتمام في الوسط الأدبي بحسب ما كتبته المترجمة -، فإن هذه الرواية هي الرواية الخامسة عشر من روايات يوسا، لكنها عندي هي أول مرة أدخل فيها عالم يوسا الروائي، سمعت و قرأت عنه كثيرا ً لهذا حرصت على جولتي الأولى في رواياته، من بين الروايات الثلاث التي عندي له، تشكل هذه أقدمها، لهذا اخترتها فورا ً، من بعد ماركيز أصبحت أولي أهمية كبيرة لتلمس الخط الزمني لأسلوب الروائي.

مضت فترة طويلة نسبيا ً منذ أنهيت الرواية، و لكن حتى هذه اللحظات لم أجد الوقت المناسب للكتابة عن الرواية، فدوما ً هناك شيء مفقود ، مرة يكون الوقت، و مرة يكون حسي الحاضر بالتفاصيل، و مرة يكون الرغبة بالكتابة، لكني حتى الأن لازلت أتذكر بداية الرواية جيدا ً، أورانيتا و معضلة اسمها الذي يبدو أشبه باسم كوكب، و الحقيقة أنها بداية كان يمكن أن تكون مخفقة أو مستهلكة جدا ً أو باردة تدفعني بعيدا ً، لكنها كانت لا تنسى، و هذا لأنني وجدت نفسي مسحورة بهذا العالم منذ نفذت إليه عبر بوابة أورانيتا.

تكتسب هذه الرواية أهمية كبيرة عندي لأسباب كثيرة، فهي تعرفي الأول بيوسا الذي اختنزنته لوقت طويل ، وهي البوابة الثالثة لي لأدب أمريكا اللاتينية و للمدرسة الواقعية السحرية، التي عرفت وجها ً من وجوهها مع ماركيز و وجها ً آخر مع إيزابيل الليندي، و هناك سبب آخر وهو أن اسم الرواية أثار فيّ فضولا ً كبيرا ً - لا أستطيع أن أقول أنه كان أدبيا ً بحتا ً - منذ أول مرة رأيته فيها.

السمة الأكثر بروزا ً و التي أظنها ستظل عالقة في ذهني لوقت طويل بيوسا، هي الطريقة التي حيكت بها الرواية، المسارات و تلاعب يوسا بها و بالزمن فيها فكأنه يرسم لوحة و لكنه لا يبدأ من نقطة واحدة أو الشكل الرئيسي، بل يرسم قليلا ً في هذا الجانب، ثم ينتقل فجأة لمنتصف اللوحة، قبل أن يقفز للجانب الآخر من اللوحة، و هكذا تتشكل اللوحة تدريجيا ً بحيث يزحف كل جزة منها باتجاه الآخر، و لكني في النهاية لا أستطيع أن أقول أن هذه المسارات مرتبطة ببعضها بتلك الطريقة المألوفة للمسارات، و أيضا ً لا أستطيع أن أقول أنها منبتة الصلة، أكثر ما أثارني في الرواية هي تلك العلاقة بين المسارات، تلك العلاقة التي تجمع عناصر اللوحة الواحدة و التي لا توجد إلا بقدر براعة الفنان في خلقها، و لكنها تحتاج لقدر كبير من الجاذبية لتشد انتباهي و تثير فيّ الدهشة التي تدفعني لمتابعة تلك العلاقة المتنامية ببطء و هي أحد الأشياء التي برع فيها يوسا ،أي متعة وجدتها فيها، وكم مرة توقفت للحظات عن متابعة السرد معجبة بعبقرية يوسا.

كل هذه المسارات يختار يوسا لها أرض الدومينيكان، وقد كان همي الأول بعد إنهاء الرواية هو الوصول لتلك الخريطة التي ستريني دولة الدومينيكان التي ألهمت يوسا لكتابة تحفة كهذه، ورغم الملعومات التي حصلت عليها من الرواية عن الدومينيكان إلا إني اندهشت من مدى صغر هذه الدولة و مدى ما ألهمت هذا الكاتب.

حتى الواقعية السحرية التي هي سمة الأدب اللاتيني تبدو مختلفة عند يوسا، فهي لا تتخذ شكل الغرائبية عند ماركيز، و لا نمط الأشياء السحرية التي المتناثرة بشكل يحبس الأنفاس كما عند إيزابيل الليندي، تتخذ شكلا ً أخف قليلا ً، إلا أن هناك سمة عامة كما يبدو مما قرأت لكتاب أمريكا اللاتينية و هي قدرتهم الواسعة على رسم الكثير من الشخصيات في الرواية و خلق الكثير من حكاياتهم و تفاصيلهم و أحلامهم و بؤسهم و مطاردة تفاصيلهم بشكل يدهشني دوما ً.

لا يكتفي يوسا بالتنقل بين المسارات الثلاث بل إنه ينتقل بين الشخصيات بشكل يشبه صيغة الرواي المتعدد بخلاف أن السرد هنا ليس ذاتيا ً، بل مزيج من الراوي الذاتي و الراوي الخارجي بشكل لم أصادفه من قبل في الروايات، برأيي أن أسلوب الراوي المتعدد يحتاج لمساحة روحية كبيرة، و لبراعة و ثقافة في الكاتب بحيث يستطيع بناء السرد انطلاقا ً من هذه الشخصيات المختلفة و المتنافرة و الغنية بشكل يجعلني لا أنسى أي من الشخصيات تحت ظل الأخرى، و يوسا فعل هذا و أكثر بحيث فتنتني شخصيات الرواية.

القراءة ليوسا تجربة فريدة بشكل يجعلها لا تتكرر، طعم مختلف للحروف و للأسلوب الروائي و للبناء السردي اكتشفته في قراءتي ليوسا، و بعد هذا أتساءل ماذا تفعل لجنة نوبل بتجاهلها له ؟! رغم الإشكاليات الكبيرة التي تحيط بجائزة نوبل و سياستها و دورها في المجال الثقافي و الأدبي ، ورغم إيماني بأن هناك اعتبارات كثيرة تتحكم باختيارتها بحيث أن قرارتها ليس دافعها الأوحد العبقرية الأدبية، إلا إن هذا السؤال ما انفك يثير حيرتي طوال صحبتي مع الرواية ؟ و السبب أن أسلوب يوسا يضيف الكثير للمدرسة الواقعية السحرية، و للتراث الأدبي الإنساني، بحيث أراه يحقق الشرط الأهم من شروط جائزة نوبل لكن يبدو أن هناك اعتبارات أكثر أهمية بنظر اللجنة .
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14 - 07 - 2009, 06:46 PM   #20 (رابط المشاركة)
*
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2008
المشاركات: 1,084
يوسا .. المحطة الثانية

قلما أربط بين قراءة رواية و القراءة حولها، هذه المرة أجد بي رغبة تشبه رغبات الطفولة تمنعا ً على التحليل أو التفاوض في ربط القراءة في رواية و القراءة حول بيئتها التي تدور فيها أحداثها، و رغبتي هذه لا معنى لها سوى فكرة تداعبني حول متعة اكتمال القراءة، و اكتمال قراءة هذه الراوية يكتمل بقراءات قبلها، أو على الأقل هذا ما أراه.






الفردوس على الناصية الأخرى

ماريو بارغاس يوسا

ترجمة: صالح علماني

دار الحوار

462 ص

إن كانت اسم حفلة التيس بدا غريبا ً شاذا ً مثيرا ً للفضول، فاسم هذه الرواية يثير الحلم و الخيال - و إن كانت تواجهني معضلة دلالية مع كلمة الفردوس، فمعرفتي البسيطة تقول أن هذه الكلمة ذات دلالة إسلامية، و أن الديانات السماوية الأخرى تستخدم لفظ الجنة فقط ، فهل قصد يوسا الفردوس أو هذا اختيار علماني ؟ -، ولكن العنوان لا يتوقف هنا فهو رغم نعومته الظاهرة يثير شعورا ً بالغربة و الفقد، و هذا بالضبط هو الشعور الذي يلاحق شخصيات الرواية، يأتي العنوان كما يرد في الرواية من لعبة طفولية ذات دلالات لا تعيها الطفولة، تتلخص اللعبة في طفل يضع رباطا ً حول عينيه و يدور على دائرة الأطفال المتحلقة حوله بحثا ً عن الفردوس، و كلما اختار الطفل الخطأ كلما صاح الأطفال : لا ، الفردوس على الناصية الأخرى، ربما قصد يوسا إظهار ذلك التلاعب التنبئي الخطير الذي كان يتم بين الأطفال حول كون الفردوس دوما ً على الناصية الأخرى، بعيدا ً، و الطريق إليه مكلل بالخطر.

يعمد يوسا إلى المسارات في الرواية لكن على خلاف الخيوط الرقيقة التي كانت تربط بين المسارات الثلاث في رواية حفلة التيس، فمساريّ هذه الرواية لا يربطهما سوى رابط في أذهان القراء يتمثل صلة قرابة التي تربط فلوريتا (الجدة) بغوغان (الحفيد)، و إن كان هذا الرابط بالذات يخلق مقارنة دائمة بين الجدة و الحفيد، و صراع دائم بين معتقدات الأولى التي بنت عليها نمط حياتها و ما نتج عن ذلك من أحداث، و بين معتقدات الثاني و نمط حياته، و أعتقد أن هذا مقصد يوسا فهذه الطريقة الصراعية هي ذاتها البيئة الصراعية التي تمثل الفترة التي اختارها يوسا لأحداث روايته، اختار يوسا القرن التاسع عشر الذي بدأت تتجلى فيه آثار أفكار التنوير و تنضج ثمارها، نجاحها، فشلها، تصور العامة لها، تمثلاتها المتعددة، فإن كان القرن الثامن عشر آخر ما يؤرخ له بعصر التنوير، فإن القرن التاسع عشر هو العصر الذي تغلغلت فيه آثار عصر التنوير في حياة الأوروبيين.

يبدو لي أن اختيار كاتب لبيئة غير بيئته و غير مألوفة له و شخصيات من تلك البيئة، هو تحدي كبير، فكيف إذا كان ذلك في فترة زمانية سابقة عليه ؟، لا يكتفي يوسا بذلك بل يختار شخصيات حقيقة و يبني على جزء من الحقيقة خياله، بأصابع ماهرة لا تجعلنا ندري متى تنتهي الحقيقة و يبدأ الخيال، المؤكد أن يوسا اعتمد على نقاط واقعية كثيرة منها : شخصية الفنان بول غوغان و كونه رائدا ً للفن الرمزي، السنوات التي عاشها، أشهر لوحاته، بعض محطات حياته في باريس و بريتاني و تاهيتي و جرز بحر الجنوب، أفكاره، بعض الشخصيات التي عرفها في حياته منهم فنسنت فان جوخ، وقد تقاطعت بعض أحداث الرواية مع شخصيات حقيقة مثل إتيين كابيه ( 1788-1856) و روايته الطوباوية الشهيرة رحلة إلى إيكاريا و التي بين فيها تفوق المجتمع الاشتراكي على المجتمع الرأسمالي ، فرانسوا فورييه (1772-1837) وهو اشتراكي - ما يظهر لي أن الاشتراكية المقصودة هنا هنا البذار الأولى للاشتراكية المعروفة الأن - حالم إن صح التعبير، و قد نقد المجتمع البرجوزاي في كتبه، و تحلق حول أفكاره عدد من المريدين.

المسار الأول في الرواية يبدأ قبل مولد غوغان في حياة جدته فلوريتا، في آخر سني حياتها، لكن هذا التحديد غير دقيق فيوسا يستدعي الماضي القريب، و البعيد و الحاضر و حتى خيالات المستقبل في وقت واحد دون أن أشعر بفجوة أو قفزة مفاجئة في السرد، تمثل فلورا بداية الفورات للاشتراكية - حتى أن الكاتب يبين لقائها المفاجئ و العاصف بشخص سيكون له أثر كبير على الإشتراكية هو ماركس - و لكنها اشتراكية مخلوطة بالعقلانية المثالية التي طبعت الكثير من أفكار التنوير، فكونها امرأة من الطبقة العاملة في ذلك الوقت جعلها تعاني الظلم ضعفين، ظلم البرجوازية و استغلالها للطبقة العاملة، و ظلم المجتمع الذي لم يتخلص من كل أفكار التي سيطرت في الفترة الاقطاعية للمرأة، و عايشت ذلك بأقسى الصور خلال زواجها ثم خلال رحلتها المريرة للطلاق، كل هذا يجعل فلوريتا تخلص نفسها برهبانية لنشر الأفكار الاشتراكية التي تؤمن بها، و الحديث عن الاشتراكية و أهميتها حينها يستدعي الحديث عن الوضع القائم قبلها و الذي جعل يوسا يجد في كفاح فلوريتا حكاية جديرة بأن تحكى، و إن كان الاختصار يخل دائما ً بالأفكار أجدني مضطرة له الأن، كانت طبقة الفلاحين و الصناعيين بعدهم تعاني من العبودية تحت ظل البرجوازية و أنظمة العمل حينها التي تجعل العامل يكدح أكثر من 12 ساعة في أسوء بيئة و بأقل أجر في حين يحظى رب العمل صاحب رأس المال بالنصيب الأوفر، وفوق هذا كانت أنظمة الضريبة هما ً آخر يرزح العامل تحته، كان الجهل حينها متسيدا ً، جهل القراءة و جهل المعرفة، فقلة الأفراد المتعلمين تجعل الأفراد الواعيين بحقوقهم أقل، كل ذلك يبين البيئة التي حتمت ظهور الاشتراكية و الاتحادات العمالية، و من رهبانية فلوريتا - و هنا لمحة من العقلانية المثالية التي تمازجت مع عقلية الثائرين في عصر التنوير و ما بعده - أنها تضحي بعائلتها و تهمل ابنتها و تتخلص من زواجها، و تعدم كل نوع من الحياة الاجتماعية لديها بل تقضي على بعض الجوانب البشرية فيها لأجل نذر نفسها لتوعية العمال و النساء بأهمية اتحادهم لأجل الحصول على حقوقهم.

المسار الثاني يمثل فيه غوغان حياة فنان يعتقد بمثالية الحالة الأولى للإنسان حيث كان الإنسان عفويا ً في التعبير عن احتياجاته، عندما كان في ارتباط أعمق و أشد مع الطبيعة قبل كل هذا التعقيد و التزييف الذي غرق في المجتمع الأوروبي وهذا بدوره أحد أهم التصورات العقلانية للعالم التي ولدت في ظلها الكثير من النظريات الاجتماعية العقلانية في التنوير، فكرة الحالة الأولى و الحق الطبيعي - النظام العقلاني الذي كان يدعو لها هذا الفكر هو ذاته النظام الطبيعي بحكم قابليته للاستنباط من طبيعة الإنسان * -، و تقول هذه الفكرة أن الإنسان كان أسعد في حالته البسيطة الأولى، حيث لا ملكية و لا تفاضل بل يعيش الإنسان في ظل من المساواة و الأخلاق الفطرية السامية في حين أن الحضارة تفسد الإنسان، و من أهم من نظّـّـر للطبيعة الأولى جان جاك روسو حيث يرى أن الحضارة تضاعف حاجات و رغبات الإنسان أكثر مما هو مرغوب أخلاقيا ً، و كل هذا أدى للفساد في التعامل العاطفي و الأخلاقي بين الناس بحيث أصبحوا يضطرون لإخفاء مشاعرهم * ،كانت حياة غوغان و أفكاره تمثيل لهذه الفكرة، فهرب من الحضارة الأوروبية و لجأ لتاهيتي حيث الناس و رغم الحملات الاستيطانية لا زالت قشرة الحضارة التي تغلفهم أرق من غيرهم، المختلف في وضعه أن استيقظ في منتصف عمره على عبثية الحضارة و عبثية حياته و أن كل ما يريد هو أن يكون فنانا ً، فتخلى عن الأمان الاجتماعي و الوظيفي و طفق يسعى عن فردوسه في جزر البحر الجنوبي، و تظهر المفارقة بين حياته المفرطة في أنانيتها و ذاتيتها و هروبها من كل قيد و اقتحامها كل ممنوع و تفلتها عن أي قانون سوى الخضوع للرغبات و حياة جدته المنضبطة التي تدور حول هدف هو تنوير العمال و النساء لأجل حقوقهم و رفع الظلم عنهم في حين تخفت جوانب حياتها الأخرى.

هل قصد يوسا إظهار كل تلك الصراعات الفكرية و الاجتماعية و الاقتصادية التي تلت عصر التنوير و الثورة الفرنسية و الطفرة الصناعية ؟

ربما، لكني وجدت كل تلك الإشارات المغرية بالنبش في تاريخ التنوير في روايته.
برع يوسا في تقديم هذه اللمحة الخاطفة عن تلك الفترة الزمنية، و برع أكثر في حشد مقومات البيئة و خلفية الشخصيات و نموها الفكري و العاطفي خلال الرواية.







( * ) هذه المعلومات أخذتها بتصرف من كتاب فلسفة الأنوار، ف . فولغين.
نبضآت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..

جسد الثقافة




يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:28 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.1
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: SuperSRV.com