جسد الثقافة



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > القصة القصيرة والرواية

القصة القصيرة والرواية النصوص القصصية ، النقدية، والأنشطة المتعلقة بالسرد.

إضافة رد
 
الارتباطات أدوات الموضوع
قديم 06 - 12 - 2009, 06:35 PM   #1 (رابط المشاركة)
أنـــا الأَسَدْ.
 
الصورة الرمزية Difficile
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
الدولة: Riyadh
المشاركات: 1,700
الأعمى الّذي رأى الجنّة


الأعمى الذي رأى الجنّة في منامه لم يكُن أعمى البصيرة مطلقاً كما ظننتم في البدء، كان أعمى البصر فقط، ذهبَ في حلمه إلى مكانٍ يملؤه البياض بلا ضجيج، كانت برفقته تلك الفتاة الحالمة الصغيرة، قابعة الضيق بالخصر، ممطرة العين بالسّحر، صاحبة الشعر الغجري الحالك، كان عن يمينه وشماله أشجار تينٍ و رُمَّان، ومقابله رمّاناً أشهى على طبقٍ ناصع منحوت بإتقان، لا تلبث أن تفيق من المفارقة لتدرك بأنه على جسدٍ لا طَبَقْ، كانت كلّما اعترضت طريقهما حجر أو أذىً أزالته عنه بهدوء دونما إشعاره، كانَت تخشى عليه من هبّةِ الهواء الشرحة الباردة حتّى، لقد كانت مع كلّ لفحةٍ تخبّئه بين نطاقين أولهما طهرٌ وآخرهما طريق لأحلامٍ أعمَق.
لم يكُن لأحدٍ في تيك الجنّة حق الكلام، ليس سواه، حتّى هي كانت تسمعُ فقط، تسمع وترى وتلمس وتحنُّ وتهفو، لم يكن من ضجيج، كانت الدنيا أشبه بقصرٍ فارهٍ يفوق الوصفَ آمناً لا يقطُنُهُ سواهما.
كانَ بينَ كل غصنٍ وآخر يقف مشدوهَ الفاهِ نحوها يتأمل أغصانها ببطىء، تمايلها من الأعلى لمنتصف الجذع، لجذورها الأشبه بالألسنة، كانت تمدّه باحمرارٍ أشد كلما وقفَ مشدوهاً أكثر حتّى فاق خوفاً عليها.

نعم!
فاق وبهِ من الكلام ما يمنحه حق الجنون،
حقّ أن يقفزَ في الطّرقاتِ لا مبالٍ بما لا يراه،
حدّ أن يصيح وحيداً أن الجنّة مراده،
وأن البشر وجودهم خراب، وأن الدنيا بلاهم قصر،
قصر فردي لا يحتمل وجودهم،
له الحقّ هذه المرّة في أن يمسك عصاه قاصداً كل مكانٍ من الآن،
مخبراً بما رأى في هذا المنام،

صائحاً:
عليكم اللعنة من حزنتم لعماي،
أنا لستُ كماكم أرى الأمور من جحر،
أنا أرى مالا ترون وفي كل ليلة …
لي بصرٌ قابعٌ خلف أضلعي يرى أوسع منكم،
يهيمُ في سماوات الله العلى، تلك التي تُستَشعر ولا تُرى،
اخلوا لي طريقاً بالله وفكّوا وثاقي،
فأنا يمكنني السير اليومَ وحيداً بلاكم …

هكذا كانت آخر قصائِدِ هذا الأعمى العجوز، الذي ارتدّ إليه بصرهُ بعد أبياتِهِ تلك، قبل ما يزيدُ عن ثلاثينَ عاماً، ومنذ أبصر أصبح مثلهم لم يعُد يكتبُ القصائِدَ و يدمي، أصبح من هذا الكون المُبصر، وهو يخبرني بقصته هذه، كان يبكي حرقةً ويطلبني أن أخفي سرّه بعدما سألتهُ عن سكوته الطويل، فأخبرني أنه منذ ارتد إليه بصره، فقد البصيرة، ولم يعُد يحلُم، فالبصيرة تحتاج لمن يتواجد فيها ويلهمها، وهو ما يزداد نقصاناً كلما ضاقت عدسة الرؤية.

Difficile غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08 - 12 - 2009, 08:52 PM   #2 (رابط المشاركة)
أنـــا الأَسَدْ.
 
الصورة الرمزية Difficile
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
الدولة: Riyadh
المشاركات: 1,700
تصويب*




------------------
الأعمى الذي رأى الجنّة في منامه لم يكُن أعمى البصيرة مطلقاً كما ظننتم في البدء، لقد كان أعمى البصر فقط، و ذهبَ في حلمه إلى مكانٍ يملؤه البياض بلا ضجيج، رافقته فتاة حالمة صغيرة، قابعة الضيق بالخصر، ممطرة العين بالسّحر، لها شعرٌ غجريٌ حالك.. عن يمينه وشماله أشجار تينٍ و رُمَّان، ومقابله رمّاناً أشهى على طبقٍ ناصع منحوت بإتقان، ثمّ لا تلبث أن تفيق من المفارقة لتدرك بأنه على جسدٍ لا طَبَقْ.
كلّما اعترض طريقهما حجر أو أذىً أزالته عنه بهدوء دونما إشعاره، خشيةً عليه، حتّى من هبّةِ الهواء الشرحة الباردة، لقد كانت مع كلّ لفحةٍ تخبّئه بين نطاقين أولهما طهرٌ وآخرهما طريق لأحلامٍ أعمَق.
لا أحد يملك حقّ الكلام في تيك الجنّة، ليس سواه، و هي أيضاً كانت تسمعُ فقط، تسمع وترى وتلمس وتحنُّ وتهفو، لم يكن من ضجيج، بل كانت الدنيا أشبه بقصرٍ فارهٍ يفوق الوصفَ آمناً لا يقطُنُهُ سواهما.
بينَ كل غصنٍ وآخر يقف مشدوهَ الفاهِ نحوها يتأمل أغصانها ببطىء، تمايلها من الأعلى لمنتصف الجذع، لجذورها الأشبه بالألسنة، تمدّه باحمرارٍ أشد في وجنتيها كلما وقفَ مشدوهاً أكثر.. إلى أن فاق خوفاً عليها.

نعم!
فاق وبهِ من الكلام ما يمنحه حق الجنون،
حقّ أن يقفزَ في الطّرقاتِ لا مبالٍ بما لا يراه،
حدّ أن يصيح وحيداً أن الجنّة مراده،
وأن البشر وجودهم خراب، وأن الدنيا بلاهم قَصْرْ،
قصر فردي لا يحتمل وجودهم،
له الحقّ هذه المرّة في أن يمسك عصاه قاصداً كل مكانٍ من الآن،
مخبراً بما رأى في هذا المنام،

صائحاً:
عليكم اللعنة من حزنتم لعماي،
أنا لستُ كماكم أرى الأمور من جحر،
أنا أرى مالا ترون وفي كل ليلة …
لي بصرٌ قابعٌ خلف أضلعي يرى أوسع منكم،
يهيمُ في سماوات الله العلى، تلك التي تُستَشعر ولا تُرى،
اخلوا لي طريقاً بالله وفكّوا وثاقي،
فأنا يمكنني السير اليومَ وحيداً بلاكم …

هذه آخر قصائِدِ هذا الأعمى العجوز، الذي ارتدّ إليه بصرهُ بعد أبياتِهِ تلك، قبل ما يزيدُ عن ثلاثينَ عاماً.
لكنّه منذ أبصر أصبح مثلهم لم يعُد يكتبُ القصائِدَ أو يدمي المسامع، أصبح من هذا الكون المُبصر، وهو يخبرني بقصته هذه، بكى حرقةً طالباًَ أن أخفي سرّه بعدما سألتهُ عن سكوته الطويل عن الشّعر!
فأخبرني أنه منذ ارتد إليه بصره، فقد البصيرة، ولم يعُد يحلُم كما سابق عهدِه.. فالبصيرة تحتاج لمن يتواجد فيها ويلهمها، وهو ما يزداد نقصاناً كلما ضاقت عدسة الرؤية.
------------------

Difficile غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08 - 12 - 2009, 08:56 PM   #3 (رابط المشاركة)
أنـــا الأَسَدْ.
 
الصورة الرمزية Difficile
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
الدولة: Riyadh
المشاركات: 1,700
...
آسف تكرر الرد مرتين.
Difficile غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10 - 12 - 2009, 10:26 PM   #4 (رابط المشاركة)
الآن واثقة من نفسي أكثر
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2007
الدولة: على صخرة راسية
المشاركات: 301
امممم هذا المرة الخامسة أحرر الرد ثم لاتساعدني
الصفحة بل تجتر ثم يختفي الرد والنص والموقع وأعيد الكرة وهكذا وهلم جر
الموقع مابه ؟؟!!
هل أصابته عين بعد أن كانت عمياء
ياإلهي أكاد أختنق لو لم يظهر هذا الرد
__________________
.
.
.
.
مابين نقطة ونقطة بحر ذكريات أولها أنا وآخرها أنا
عطاف المالكي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11 - 12 - 2009, 12:51 AM   #5 (رابط المشاركة)
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2006
المشاركات: 238
يحكى أن رجلا مبصرا سأل بشار عن منزل . فأخذ بشار بيد السائل وقال : أعمى يقود أعمى لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه . راق لي تصوير المرءة وعلاقتها بالأعمى . لكن ربما عزاؤهم بالحلم فقط . وأما اليقضة فهي قد تكون من باب المتردية والنطيحة وما اكل السبع . شكر لهذا النص التصويري
__________________
ماجد الجارد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 12 - 2009, 11:03 AM   #6 (رابط المشاركة)
أنـــا الأَسَدْ.
 
الصورة الرمزية Difficile
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
الدولة: Riyadh
المشاركات: 1,700
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عطاف المالكي مشاهدة المشاركة
امممم هذا المرة الخامسة أحرر الرد ثم لاتساعدني
الصفحة بل تجتر ثم يختفي الرد والنص والموقع وأعيد الكرة وهكذا وهلم جر
الموقع مابه ؟؟!!
هل أصابته عين بعد أن كانت عمياء
ياإلهي أكاد أختنق لو لم يظهر هذا الرد
مرحباً يا عطاف:

واجهت نفس المشكلة قبل فترة، وعلى أمل أن تكون قد حلّت.
ولازلت أنتظر عودتك، ومن ثم نقدك بكل تأكيد.

بِوِدْ.
Difficile غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 12 - 2009, 11:08 AM   #7 (رابط المشاركة)
أنـــا الأَسَدْ.
 
الصورة الرمزية Difficile
 
تاريخ التسجيل: 12 - 2003
الدولة: Riyadh
المشاركات: 1,700
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ماجد الجارد مشاهدة المشاركة
يحكى أن رجلا مبصرا سأل بشار عن منزل . فأخذ بشار بيد السائل وقال : أعمى يقود أعمى لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه . راق لي تصوير المرءة وعلاقتها بالأعمى . لكن ربما عزاؤهم بالحلم فقط . وأما اليقضة فهي قد تكون من باب المتردية والنطيحة وما اكل السبع . شكر لهذا النص التصويري
أخي ماجد:

شكراً لذكر مناسبة هذا البيت وتوسيع مدى إدراكي.
وشكراً أيضاً لتنويهك لما جذب انتباهك في النصّ، ولو أنني أطمح أيضاً "من بعد إذنك" أن أستمع لنقدٍ في مكامن الضعف حتّى أتقوّى.

لك كل الود.
Difficile غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..

جسد الثقافة




يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:21 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.5.1
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: SuperSRV.com